محمد محمد أبو موسى

577

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

تبلغ بالمجاز الذروة العليا ، وأن الكلام الذي يتأتى فيه هذا الفن تأتيا طيعا يتلاحق ، لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا . فإذا كانت الاستعارة مظهرا من مظاهر الاعجاز البياني أو سرا من أسرار البلاغة ، فهل يمكن القول بأن الترشيح وهو ماؤها ورونقها ليس مظهرا من مظاهر الاعجاز ، وليس سرا من أسرار البلاغة ، وانما هو ذيل للبلاغة في مفهوم الزمخشري ؟ أما الألوان التي ذكرها الزمخشري مما جعله المتأخرون من علم البديع والتي نرى حديثه فيها أصدق دليل على ما أقوله في فهم مذهبه في البديع فهي : 1 - المشاكلة : ويسميها المقابلة أحيانا ، وهو يعنى بالمقابلة معناها اللغوي . يقول في قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا » « 12 » : « ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة ، فقالوا : أما يستحى رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت ؟ مجاز على سبيل المقابلة واطباق الجواب على السؤال ، وهو فن من كلامهم بديع وطراز عجيب منه قول أبى تمام : من مبلغ أفناء يعرب كلّها * أنّى بنيت الجار قبل المنزل وشهد رجل عند شريح فقال : انك لسبط الشهادة ، فقال : انها لم تجعد عنى ، فقال : للّه بلادك ، وقبل شهادته ، فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة ، ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار . ولولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها ، وللّه در أمر التنزيل واحاطته بفنون البلاغة وشعبها ، لا تكاد تستغرب منها فنا الا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسد مدارجه » « 13 » .

--> ( 12 ) البقرة : 26 ( 13 ) الكشاف ج 1 ص 85